مجموعة مؤلفين

381

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

--> - ثم ولد له بمصر صاحب الترجمة ، في القعدة سنة ست وخمسين أو ستين وخمسمائة ، فنشأ تحت كنف أبيه في عفاف وصيانة ، وعبادة وديانة ، بل زهد وقناعة وورع ، أسدل عليه لباسه وقناعه ، فلما شب وترعرع ، اشتغل بفقه الشافعية ، وأخذ الحديث عن الحافظ ابن عساكر ، وعنه الحافظ المنذري ، وغيره ، ثم حبّب إليه الخلاء وسلوك طريق الصوفية ، فتزهد وتجرد ، وصار يستأذن أباه في السياحة ، فيذهب فيسبح في الجبل الثاني من المقطم ، ويأوى إلى أحد أوديته مرة ، وفي أحد المساجد المهجورة في خرابات القرافة مرة ، ثم يعود إلى والده فيقيم عنده مرة فيشتاق للتجرد فيعود إلى الجبل ، وهكذا ، حتى ألف الوحش ، وألفه الوحش ، فصار لا يفر منه ، ومع ذلك لم يفتح عليه بشيء ، حتى أخبره الشيخ البقال أنه إنما يفتح عليه بمكة . فخرج فورا في غير أشهر الحج ، ذاهبا إلى مكة ، فلم تزل الكعبة أمامه حتى دخلها ، وانقطع بواد بينه وبين مكة ، عشر ليال ، ففتح عليه ، فصار يذهب من ذلك الوادي وصحبته أسد عظيم إلى مكة ، فيصلى بها الصلوات الخمس ، ويعود إلى محله من يومه ، وأنشأ غالب نظمه حالتئذ ، وكان الأسد يكلمه ، ويسأله أن يركب عليه فيأبى . وأقام كذلك نحو خمسة عشر عاما ثم رجع إلى مصر فأقام بقاعة الخطابة بالجامع الأزهر ، وعكف عليه الأئمة ، وقصد بالزيارة من الخاص والعام ، حتى أن الملك الكامل كان ينزل لزيارته ، وسأله أن يعمل له ضريحا عند قبره بالقبة التي بناها على ضريح الإمام الشافعي فأبى . وكان جميلا نبيلا ، حسن الهيئة والملبس ، حسن الصحبة والعشرة ، رقيق الطبع ، عذب المنهل والمنبع ، فصيح العبارة ، دقيق الإشارة ، سلس القياد ، بديع الإصدار والإيراد ، سخيا جوادا . توجه يوما إلى جامع عمرو ، فلقيه أحد المكارية ، فقال : اركب معي على الفتوح ، فركب ، فمر به أحد الأمراء ، فأعطاه مائة دينار ، فدفعها للمكاري . ورأى المصطفى في نومه ، فقال : إلى من تنسب ؟ فقال : يا رسول اللّه ، إلى بني سعد ، قبيلة حليمة . فقال : بل نسبك متصل بي . يعني نسبة محبة وتبعية . وقعد يوما بباب قاعة خطابة الجامع الأزهر ، وحوله جمع من المجاورين ، فجعل أحد العجم كلما -